السيد كمال الحيدري

15

شرح كتاب المنطق

يكن واجداً لأيّ كمال سوى ذلك الاستعداد ، كما أشرنا ، وإلا لما ساغ لكلّ إنسان أن يبحث عمّا فيه كمال نفسه وسموّ روحه . وللتقريب نقول : لو كان في جيبك ألف دينار واكتفيت بها ، فمن الطبيعي أنّك لا تبحث عن ألف ثانية ، ولكنّك لو أردت ألف دينار أخرى لابتغيت إليها سبيلًا . . وهكذا ، ففي الحالة الأولى أنت واجد للشيء الذي تريده وتعتبره كمالًا لك ، وفي الحالة الثانية أنت تسعى لتحصيل كمال آخر . فالإنسان فاقد للكمالات وإن كان مفطوراً على حبّها ومستعدّاً لحملها ، أو كان يملك بعضها ، ومنها : البحث عن الكمال فراراً عن النقص الموجود فيه ، ولذا كان حبّ الاطلاع من الأمور الغريزية المودعة في كلّ إنسان ، والتي منشأها ذلك الأمر الفطري ( حبّ الكمال ) والهروب من النقص ، فإنّ الإنسان يحبّ أن يطّلع ليعرف أنّ ما اطّلع عليه مفيد لكماله فيطلبه ويحصّله ، أو لا يفيد كماله بل يؤدّي إلى نقصه ، فيتجنّبه ويهرب منه ؟ وهنا يتبادر سؤال وهو : أكلُّ شيء كُشف للإنسان ، أم إنّ بعض الأمور مكشوفة لديه ، وأما المجهولات فلا عدّ لها ولا حصر ؟ من الواضح أن الجواب هو الثاني وهو : أنّ الإنسان كُشفت له بعض الأمور التي يحتاج إليها كأداة أوّلية للبحث عن المجهول ، ولكنّ أكثر الأمور - إن لم نقل الغالب منها - مجهولة لديه ، وإذا كانت كذلك وكان لديه حبّ الاطلاع الناشئ من حبّ الكمال ، فإنّه يريد أن يتعرّف على تلك المجهولات ، ويكون طالباً للكشف عن كلّ مجهول يصادفه في حياته بنحو يستطيع معه أن يفكّر ويستدلّ للكشف عن ذلك المجهول بمقدار ما عنده من المعلومات التي هي رأس ماله لتحصيل المعلومات النظرية . وسوف يأتي - إن شاء الله - ما هي تلك المعلومات وكم عددها ، وهل هي موجودة في فطرة كلّ إنسان ؟ وذلك عند تعرّضنا لبحث القياس والبرهان ،